الشيخ الطبرسي
132
تفسير مجمع البيان
السابقة التي لا توازيها نعمة منعم ( يغفر لكم من ذنوبكم ) أي فإنكم إن فعلتم ذلك يغفر لكم ذنوبكم . ومن مزيدة . وقيل : إن ( من ) ههنا للتبعيض ، والمعنى : يغفر لكم ذنوبكم السالفة ، وهي بعض الذنوب التي تضاف إليكم . ولما كانت ذنوبهم التي يستأنفونها لا يجوز الوعد بغفرانها على الإطلاق لما يكون في ذلك من الإغراء بالقبيح ، قيد سبحانه هذا التقييد . ( ويؤخركم إلى أجل مسمى ) وفي هذا دلالة على ثبوت أجلين كأنه شرط في الوعد بالأجل المسمى عبادة الله والتقوى . فلما لم يقع ذلك منهم ، اقتطعوا بعذاب الاستيصال قبل الأجل الأقصى بالأجل الأدنى . ثم قال . ( إن أجل الله ) يعني الأقصى ( إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون ) صحة ذلك ، وتؤمنون به . قال الحسن : يعني بأجل الله يوم القيامة ، جعله أجلا للبعث . ويجوز أن يكون هذا حكاية عن قول نوح عليه السلام لقومه أن يكون إخبارا منه سبحانه عن نفسه . ( قال ) نوح ( رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا ) إلى عبادتك ، وخلع الأنداد من دونك ، وإلى الإقرار بنبوتي فلم يزدهم دعائي إلا فرارا ) أي لم يزدادوا بدعائي إياهم إلا فرارا من قبوله ، ونفارا منه ، وإدبارا عنه . وإنما سمي كفرهم عند دعائه زيادة في الكفر ، لأنهم كانوا على كفر وضلال ، فلما دعاهم نوح عليه السلام إلى الإقلاع عن ذلك ، والإقرار به ، ولم يقبلوه فكفروا بذلك ، كان ذلك زيادة في الكفر ، لأن الزيادة هي إضافة الشئ إلى مقدار قد كان حاصلا . ولو حصلا جميعا في وقت واحد لم يكن لأحدهما زيادة على الآخر . ( وإني كلما دعوتهم ) إلى إخلاص عبادتك ( لتغفر لهم ) سيئاتهم ( جعلوا أصابعهم في آذانهم ) لئلا يسمعوا كلامي ودعائي . ( واستغشوا ثيابهم ) أي غطوا بها وجوههم لئلا يروني ( وأصروا ) أي داموا على كفرهم ( واستكبروا استكبارا ) أي تكبروا وأنفوا عن قبول الحق . والإصرار : الإقامة على الأمر بالعزيمة عليه . فلما كانوا عازمين على الكفر ، كانوا مصرين . وقيل . إن الرجل منهم كان يذهب بإبنه إلى نوح ، فيقول له . احذر هذا لا يغوينك ، فإن أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك ، فحذرني مثل ما حذرتك ، عن قتادة ( ثم إني دعوتهم جهارا ) أي بأعلى صوتي ، عن ابن عباس . وقيل : مجاهرة يرى بعضهم بعضا أي ظاهرا غير خفي . ( ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا ) أي دعوتهم في العلانية وفي السر . وقيل : معناه إني أعلنت جماعة بالدعوة ، وأسررت جماعة ثم أعلنت للذين